الشنقيطي
375
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يحيى بن يحيى واللفظ له أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده » . وفي لفظ في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم » هذا لفظ مسلم في صحيحه . ولا شك أن هذه الأحاديث لو بلغت مالكا ما خالفها ، فهو معذور في كونها لم تبلغه . وقال النووي في شرح مسلم : وأما قول مالك في الموطأ : لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن به يقتدى نهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن . وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه . فهذا الذي قاله هو الذي رآه . وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو . والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره . وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة ، فيتعين القول به . ومالك معذور ، فإنه لم يبلغه . قال الداودي من أصحاب مالك : لم يبلغ مالكا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه . انتهى منه . وهذا هو الحق الذي لا شك فيه . لأن مالكا من أورع العلماء وأكثر الناس اتباعا لسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يدعها وهو عالم بها . وقوله في هذا الحديث : « إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم » . أي كأن ينذر أحد صوم اليوم الذي يشفي اللّه فيه مريضه ، فوافق ذلك يوم الجمعة . لأن صومه له لأجل النذر ، الذي لم يقصده بأصله تعيين يوم الجمعة . وإنما النهي فيمن قصد بصومه نفس يوم الجمعة دون غيره . والغرض عندنا إنما هو المثال لبعض الأحكام التي لم تبلغ مالكا فيها السنة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولو بلغته لعمل بها .